محمد بن أحمد التميمي المقدسي
44
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء
رأى ما أطلّ الناس من حدوث الطواعين القاتلة أمر بجمع الأحطاب من شجر الطرفاء والعبهر وغيرهما ، وأمر فأحدق به حول المدينة ، وأمر بأن يلقى عليها كثير من الصموغ الطيبة الروائح كالإسطرك والميعة واللاذن والمصطكي واللبان وما أشبه ذلك ، وأرسلت النيران في تلك الأحطاب فعلا لهيبها في الهواء وانتشر دخانها وتصاعد إلى الجو ، فحلل ما فيه من الغلظ وأزال عنه ما مازجه من الفساد ، فشم أهل المدينة منه هواء صحيحا ، وأمرهم أن يواصلوا ذلك الفعل مدة أيام الفساد ففعلوا ذلك ، فصح لأجل ذلك هواء تلك المدينة وتنسم أهلها ما لا ضرر في تنسمه على أجسادهم وسلموا من الموتان ، فلم يهلك منهم في ذلك الوبأ إلا اليسير ممن استوفى مدته وفني أجله » . وإذا نظرنا إلى هذا الفعل من وجهة نظر العلم الحالية وجدنا أن أبقراط أراد أن يطهر الجو بالنار وبإضافة مواد ذات روائح طيبة يحرقها في النار ؛ لقناعته أن الروائح الطيبة مضادة في الفعل للروائح الفاسدة والسيئة ، ونحن نعلم أيضا أن إيقاد النيران في مكان ما يولد تيارا هوائيّا شديدا مما يؤدي إلى تغير الهواء بشكل مستمر ، وعملية التهوية هذه مفيدة لتغيير الهواء الفاسد إلى هواء نقي ، وذلك بشكل دائم ومتواصل . أما أرسطاطاليس فقد تكلم عن هذا الموضوع في كتابه المسائل الطبيعية ، وربط بين كثير من الأمراض ورطوبة الهواء ويبسه ، وحرارته وبرودته ، وتغيره عن حالته الطبيعية ، ورأى أن هذا بدوره يؤثر في الأخلاط التي في داخل الجسم ، فيسبب عفنها وينتج عن ذلك الأمراض المختلفة ، على حسب رأيه ،